خِتامُها نيسان ..

2012/04/21

 

 

 

 

للخيبات المكدسة بعيدًا بانتظار غفلتي لتُصيبني في مقتل ..
من فضلك :
تقدمي الآن!!

هذا هو شهرك، لاتُزاحمي تموز أو أيلول فأنا أُحبهما أكثر بكثير من نيسان الكاذب =)

 


الأول من نيسان
لم أذهب إليّك، ولم تأتِ إليّ، فنحن لسنا أسماكًا تتوق لبحارِ نيسان لتغرقَ  في غيها أكثر، لسنا حمقى نُصدقَ كذبةَ اللانهايةِ تلك، فأنا وأنت نثقُ جدًا أن لكلِ بدايةٍ نهاية، بغضِ الطرفِ عن أيّنا إيّها، كما نثقُ أن لكلِ مُبتدأ خبر، وأن لكلِ قاعدةٍ فقهية استثناءات، وأن لكلِ محفلٍ يُقامُ في المساءِ مأتمٌ يُقام في الصباحِ التالي، يُدثرُ فيه روحًا عطره وتُقرنُ بقبرٍ صغير، كما قُرنت روحين  في الليلةِ السابقة .. ذاتُ اللونِ يطغى  في الحالتين، أبيضٌ حدثنا عن البدايات الأنيقة كما همسَ لنا سرًا عن نهاياتٍ عتيقة لن ننساها ماحيينا!

بمناسبةِ حديثي عن الأبيض: إن أردتَ أن تُهديني وردًا، فأنا أُفضلُ الوردَ الأبيض، وإن لم تُفكر بذاك مُسبقًا.. فلا تهتم!

 


الثاني من نيسان
بكتِ السماءُ كثيرًا اليوم، وكأنما توصلت لتنبؤٍ سقيمٍ مُكررٍ مفادهُ (شهر الخيبات لكِ ياصغيرتي –كالعادة-)، أخبرتني أُختى الصغرى أن السماءَ تبكي لأنها حزينة، نهرتها حينها وأخبرتها أن السماء تمامًا كالمُهرج، يبكي ويجرحُ نفسه وقد يُلقي بابنه  في البحر طالما أن الجمهور يضحك ُعلى أحزانه، إنها تبكي لأن الأرض تضحكُ حينها، أختي لا تعلم بأنَ السماءَ تُحبُ الأرضَ جدًا جدًا، ولا تعلم بأنها على استعدادٍ بأن تهوي سريعًا لتحتضننا نحنُ أبناءُ الأرض،كما لا تعلم بأن أرضنا سخيفةٌ لم تُدرك ذاكَ بعد، ولن تُدركه إلا حينما يُدكُ رأسها دكًا دكًا ..

 


الثالث من نيسان
استيقظتُ صباحًا لأعيشكَ ببساطة كحالِ فقراء الوصل، فقررتَ أنتَ مساءً أن تتخلصَ من ذاك الصباح، كورتَهُ تمامًا كورقة لا فائدةَ منها و القيتَهُ  في أولِ سلةِ قمامةٍ واجهتك  في طريق عودتك للمنزل !!

 


السادس من نيسان
كنتُ بخير، فعصافيري مازالت تُغردُ بفرح، سرني أنها ما غادرتني للموتِ لأنني نسيتُ أن أطعمها البارحة كما نسيتُ أن أسقيها وأن أدثرَ قفضها الأنيق بدثاري الدافيء ..
كنتُ بخير، فسمكاتي الذهبياتُ مازالت تحومُ في أرجاءِ الحوض بإنتظارِ أن أُلقي عليها حديثَ الصباح، وفي أعينها بريق يُذكرني بوعدي (سنزورُ البحرَ قريبًا وسأسمحُ لكنَّ بزيارةِ صديقاتكنَّ هناك، على شرط: أن لا تتأخرنّ بالعودة فأنا أقلقُ عليكنَّ جدًا جدًا) ..

كنتُ بخير، فسلحفاتي الصغيرة التي سأقتنيها عمّا قريب، مازالت ترقدُ بين قشورِ بيضتها بسلام، تحتضنُ الخضرة التي أُحبها جدًا، كما تحتضنُ آمالًا بحياةِ رغيدةٍ  في مملكتي الصغيرة المملوءةِ بالحبرِ والورق ..
كنتُ بخير ولم ألحظ أنني لستُ كذلك إلا حينما قابلت صديقتي سألتني ( مابك؟) فأجبتها على عجالة ( قليلٌ من التعبِ كعادةِ الربيع!!) ومضيت تاركةً أوجاعي على طاولة خشبية  في مؤخرة القاعة رقم 201-××، أما الرقمان الأخيران فقد اسقطتهما عمدًا  في طريقي لمحاضرتي التالية؛ لأنهما يُشبهان رقميك المفضلين !!

 

 

السابعُ من نيسان
كما واكبتَ -أنت- معهم البداية بمحضِ إرادتك رغمًا عني، أجبرتني مُجددًا رغمًا عني وبمحضِ إرادتك أن أواكبُ –أنا- معهم النهاية، أخبرتهم .. طلبوا المزيدَ من التفاصيلِ وكان ردي صامتًا كالعادة !!

 


الثامنُ من نيسان
أخبرتني أمي أنهُ من يملك حديثًا ولا يتحدثُ به سيمرض، فأخبرتها بأنها كذبةَ نيسان التي انطلت عليهم منذُ سنين، فأنا مرضتُ قبل أن أتعلمَ الكلام!
أخبرتُ أمي بأني لا أودُ أن أغادر وطني العليل هذا الصيف، ولا أودُ أن أزور (تاج محل) -معقل الحب برأيي- كما وعدني والدي، أودُ فقط أن أزور طبيبَ القلبِ الذي هجرتهُ منذُ أربعٍ عجاف، سأطلبُ منهُ أن ينتشلَ قلبي، سيضحكُ على سذاجتي كثيرًا، وسيحدد لي موعدًا لسدِ ثغرةٍ فتقها اللهُ فيهِ منذ سنٍ مبكرة، سأذهبُ في الموعدِ المحددِ وسأتركُ قلبي في الصندوقِ الذي جمعتُ فيه كل مُتعلقاتك، وقبل أن يشرعَ في عملهِ سيكتشفُ أنني غافلتهُ وغادرتُ إلى السماء، سيضحكُ على نفسهِ كثيرًا حينها، سيربتُ على طُهري الذي رفرفَ حوله وسيتركُ عملهُ للأبد!!

 


التاسعُ من نيسان
مازلتَ تُعطرُ أحاديثكَ بعطري المفضل، و تخبئ في أوردتها دمًا أزرقًا كرسائلَ مبطنةٍ لي .. وحتى أنت تكرهُ رحيلك !

 


العاشرُ من نيسان
أخبرني والدي يومًا أنهُ لا جدوى من السير خلف الأمور العظيمة، وأرشدني أنهُ لابد إما من مواكبتها أو مسابقتها، وهذا بالضبط ما أفعله في حضرة رحيلك المُبجل! فتارةً أواكبهُ وتارةً أسابقه، وتارةً أجعله يبكي فقدي بحرقةٍ لا تليق بكونه قرارَ رجل !

 


الحادي عشرَ من نيسان
راقبتُكَ من بعيد، فوجدتك تراقبني أيضًا، اطمئنيتُ كونكَ لم تتخلص بعد من عاداتكَ السيئةَ التي علمكَ إياها حُبكَ لي، ابتسمتُ لكَ، لوحتُ بيدي، و أدرتُ ظهري كما فعلتَ أنت !

 


الثاني  عشرَ من نيسان
عادتِ السماءُ تبكي، هذه المرة ألقت عليّ اوجاعها المُجمّدة عنوة، وحاولتْ أن تُخبرني بما أسرتهُ منذُ عشرينٍ مضت، بدت مُتهالكة، تكادُ أن تسقطَ من شدة الإعياء، ربتتُ على كتفها، وهمستُ في أذنها: ” لا تتوجعي لأجلي، فقد توقفتُ عن التوجعِ منذُ البارحة” .. وتوقفَ المطر!

 


الثالثَ عشرَ من نيسان
أنت لا تعلم، أنا أحتفظُ بجميع أحاديثكَ في صندوقِ غيرُ مرئي، خبأتهُ بدايةً تحت سريري وعندما خشيتُ عليه، دفنتُهُ  في حفرةٍ في الحديقةِ الخلفيةِ لمنزلي، أنتَ لا تودُ أن تعلمَ أنني أوصيتهُم أن تكونَ تلك الحُفرة قبرًا لي!

 

السادسَ عشرَ من نيسان
رحيلُك مؤلم! لكنهُ ليسَ الأكثر إيلامًا! فقد علمتُ انكَ سترحلُ منذُ أتيت، ما يُؤلمني حقًا أنني تخليتُ عن حُلمي الذي تربعَ القمةَ من أجلك! مازلتُ أذكر: أخبرتني أنني أعلى سلمِ أحلامك، فأخبرتُكَ أنني لا يجب أن أكونَ كذلك؛ لأنني إن سقطتُ ستسقطُ بقيةَ الأحلام! على ما يبدو أنكَ عقلتَ نصيحتي جيدًا، فها أنتَ تنزعُني حُلمًا ولا يسقط شيء! لم تسقطُ نجمةٌ من السماءِ مساءَ فعلتكَ تلك، لم يهوي مذنبًا بإتجاهِ مدينتك، ولم يبتلع أرضنا ثقبٌ أسود، لم يحدث شيء!! وحدي أنا التي بقيتُ قابعةً في زاويتي تلكَ اتأمل ” ماذا لو…” ، ” أعوذ بالله من لو “!!

 


السابعَ عشرَ من نيسان
مرضتُ فتيقنتُ أنني سأشفى منك! لكنني استعذتُ بالله ثلاثًا أن ينزعنِي من قلبك!

 

 

الثامنَ عشرَ من نيسان
أنا أعذرُكَ حقًا على هذا الرحيلِ المنزوعِ النكهة، فكُلَ الطُرقِ تُؤدي إلى روما، وأنا لا أقطنُ رُوما على مايبدُو!

 

 


التاسعَ عشرَ من نيسان
سأعترفُ لكَ: لقد أتقنتَ خلقَ رحيلٍ لا يُضاهى، ورسمتَ كلَ تلكَ التفاصيلِ بدقةٍ فاجأتني، كان يجبُ أن تكونَ غليظًا ساعتها، أن تقدمَ لي كوبَ حليبٍ يثيرُ حنقَ دمي، أن تحملَ بين يديكَ بقايا كلام، أن ترشقَ الأحاديثَ بسرعة، لكنكَ بدلَ هذا ارتديتَ رداءً أنيقًا وتحدثتَ بكلماتٍ منمقة، كان بينَ يديكَ كتاب، وقد طلبتَ لي قهوتي المُفضلة -سوداءَ،مُرة- ليتسنى لي استيعابَ ما تقول، كلَ ذلكَ كانَ مُنسقًا بشكلٍ لا يتناسب وفكرةِ الغيابِ تلك!

 

العشرين من نيسان
لم تكن مُصادفةً أن تكونَ أيام (نيسان) هي ذاتُها أبجديةُ (نسيان)، لطالما أخبرتُكَ أنكَ مُميز، مُميزٌ حتى في انتقاءِ وقتِ أفُولك.. ما هالني حقًا أنني لم أكُن شمسًا ولم تُكن قمرًا، وما كانت أحاديثنا سماءً تُحلق فيها الأماني وتسبحُ فيها الأحلام، كنّا بسطاء، بسطاءٌ جدًا، كانت أحاديثنا مغمورةٌ بالصمتِ حدَ السكرة! وكانت الأماني والأحلامُ مُربوطةٌ بشرائطٍ خضراء، مقرونةٌ برسائلٍ سريةٍ، معقولةٌ ببابِ جنةٍ تُذهلنا إذا ما حكينا  في وصفها! أنتَ تعرفُ بأن قلبي يعفو ولكنكَ لا تعلم بأنهُ لا يغفر، و نيسانكُ هذا لن يكونَ لهُ مفعولُ النسيان الذي ترجوه..

 أثقُ جدًا أننا سنلتقي يومًا.. على هذه الأرض، أو في الجنّة! سيكونُ لقاؤنَا الذي سيدبرهُ اللهُ بحكمتهِ سلسًا كما اعتقدتَ رحيلك ! وحتى ذلك الحين أودُ منك أن تُجيبني: كيفَ لصورتكَ التي احتفظُ بها  في كل الذواكرِ التي أمتلكها -ابتداءً بذاكرةِ هاتفي الخلوي وانتهاءً بذاكرةِ قلبي المسكين- أن تغدو صورةً عاديةً لا تخدشُ كبرياءَ الذكرى، ولا تروي بأصالةِ الرحيلِ جرحًا ينمو؟!

 


ولتعلمْ أمرًا أخيرًا:
كنتُ على استعدادٍ أن أنزعَ ساعتي عن معصمي لتنبشَ ما تُخفيه أوردتي من ذكرى لأيامٍ قضيناها معًا، لكنكَ رحلتَ بعدَ أن اقترحتَ عليَّ أن انبشها برفقةِ صديقةٍ مُقربة!

 

 

 

 

 

 

 

*هذه التدوينة آخر ما يُسطر هُنا، وبهذا يكونُ ميلادَ الحُلمِ هُو ذاتُهُ مقبرته!

سطرٌ جديد وَ نُقطة نهاية .

 

21-4-2012 م 

مكانٌ أعرفهُ جيدًا ..

2012/03/20

 

 

في مكانٍ أعرفه ، ينامُ الأطفالُ في أحضانِ الأنقاضِ على أنغامٍ الإنفجارات ، ويمضينَ النساءُ ليلهنَ نائحاتٍ مابين ثكلى و أرملة ، يتوجسنّ الصغيراتُ من أي غريبٍ قادم ويتلونَ على أجسادهن آياتِ عطراتٍ ويغتسلنَ بالذكر ليلَ مساءَ وأحيانًا يقرأنّ عليها تمتماتِ الموتِ البطيء .

في مكانٍ أعرفه ، يمضي المسنون يومهم في المسجدِ ، يطأطؤون  رؤوسهم في سقفه ، وينفثون إلى السماء وجعًا مُختنقًا لايُضاهيهِ شيئًا ، وجعٌ وقحٌ لا يحترمْ تفاصيلَ وجوههم المُجعدة ولا يُقدرْ إنحناءةَ ظُهورهمُ المقوسة، ولا يخضعْ لحكمتهمُ التي صقلتها الحياةُ بكلِ قسوةٍ ، وجعٌ مُنفردٌ أشبهُ بجزِ الحقائقِ المُرّة وإبدالها ببرنامجٍ ساخرْ يُقدمهُ مُذيع مقطوعَ الرأسِ .

في مكانٍ أعرفهُ جيدًا تعجنُ الجدات حكايا المساءِ برملِ الوطن وَدمِ الحفيد ، ترويها نواحًا على عصافيرَ لم تعُد تُغرد ، سُلبت الصوتُ كما سُلبت الشجر ، قررتْ أن تعبرَ الشارعَ لتشترِي قطعةِ حلوى فأشتراها ملَكُ الموتِ من دُون أن يدري أحد ، وتستمرُ الجدات في سردِ تفاصيل الحكايا النتنةِ وهنّ يكنسن أرض الدار من خيباتٍ مُتتالية كرّسَ للخُذلانِ مكانًأ مُلائمًا في رئاتهنَ لينمُو ويزدهر .

في مكانٍ أعرفه ، يخرجُ الرجالُ من منازلهم مُكفنين بالألم ، يُفتشون عن فـَناءٍ كريم وتُفتشُ عنهم فوهاتُ بنادقٍ سوداء ، تقتنصهم وهم يشترونَ الأحلامَ الأنيقة لأبنائهم ، تفلتُ الأحلامُ وتُحلّقُ عاليًا ، ينهمرُ الدمُ الطيّبُ قهرًا ، ولا يعودُ الرجالُ إلى أبنائهم في المساء .

في مكانٍ أعرفه ، تشبعَ الناسُ بإنكساراتِ أمةٍ مُتتالية ، ونفضُوا أيديهم من فكرة يدٍ أُخرى تُساندها أو تشدَ عليها ، تخلوا عن عقيدة ( كالبنيانُ شدُ بعضعُ بعضًا ) ليقينهم بأنهم إما أن يكونوا اللبنةَ الوحيدةَ في ذلكَ البيانِ أو لا يكونوا ضمنه ، فوضوا أمرهم لخالقِ الأيدي المتخاذلة وفاطرِ البؤسِ من بعدِ الفرح ، رفعوا أصواتهم بإبتهالاتٍ شامخَةٍ علّها تعلوا فوقَ صوتِ المعركة .

في ذلكَ المكانُ الذي أعرفه ، الناسُ يثقون أن الدُعاء يتبخرَ ليعلُو للسماءِ ، ثم يتكثفَ غيومًا ستُمطرُ نصرًا يومًا ما ، نصرٌ لن يكونَ لأحدٍ فيهِ فضلٌ عليهم ، وحدهُ الله هو صاحبُ الفضلِ وحدهُ اللهُ هو من نصرهمُ يومَ أن خذلهُ العالمُ أجمع .

 

وفي مكانٍ آخر .. تسيرُ الحياةُ كما هيَ ، يحسِبُ الناسُ في نشراتِ أخبارهِ أعداد قتلى الأماكنِ المنكوبَة ، ويُناقشون في مجالسهِ أسماءَ الضالينَ والمغضوبِ عليهم والظالمينَ والطُغاة ، ويُقيمون -رأس كلِ شهر- ندواتٍ سقيمةٍ لفهمِ ماهية مايحدُثُ وامتدادهِ التاريخي وأثرهِ على المُستقبل ، يخرجونَ صباحًا وفي رؤوسهمِ فكرةٌ وحيدة ( أن أجمعَ الكثيرَ من المالِ ) ليعيشَ أطفالي ، ويعُودون مساءً وَمُجملِ مايُفكرونَ بهِ ( أن أتناولَ وجبةً دسمة وَ أنام ) ، عقولهم صغيرةً جدًا لا تحتمل حملَ أكثرِ من فكرة !

 

وعندما تنطفيءُ الشمس ، طفلةٌ صغيرةٌ –كأنا- تجلسُ على كرسيها الوثير تفكرُ وتبكي …

( لا يشغلني مُطلقًا فكرةُ قيامِ حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ من عدمها ، ولا أهتمُ إن كنتُ سأموتُ جراءَ قصفِ جويٍ أو هجومٍ مدفعي ، مايشغلني حقًا : بعدِ زمنٍ بعيدٍ حينما أجتمعُ بأبنائي لأروي لهم حكايةَ المساءِ من تاريخنا الكسير ، عندما أخبرهُم أنني واكبتُ هذه الحُقبة ، فيسألوني :

” وماذا كانَ دوركِ يا أُمي في مثلِ تلكَ الأوضاع ؟! ”

أنا لا أودُ مُطلقًا أن أخذلهمُ كما خذلتُ سُكانَ ذلكَ المكان الذي أعرفهُ جيدًا ، لأخبرهم أنني استنكرتُ وشجبتُ وغضبتُ وصففتُ عددًا من الكلماتِ المنمقة التِي تفيضُ بالشيخوخةِ ..

لا أودُ مُطلقًا أن تمتلئ عيونهم بالخيبةِ حينما يستجدوني الصدق :

” هل حقًا لم تصنعي شيئًا يا أمي ؟!!! “

أنا لا أودُ أن أكون كملايينِ الشخصياتِ التي قرأتُ عنها على صفحاتِ التاريخِ ولم تُحرك ساكنًا حينما سقطتْ دولتنا الإسلامية العظيمة .

أمممم أنا أُفكر .. يكفيني وجعَ مصرعِ الأندلسِ و ضياعِ فلسطين ، لستُ بحاجةٍ إلى مزيدِ وجع يُخبرُ أبنائي إلى أيِ حدٍ كانت أمهم ضعيفة ولا تملكُ من الأمرِ شيءْ “

 

وقبلَ أن تنام تلكَ الطفلة ، تنسى ترتيل أذكارها ووردها اليومي ، تنسى تناول حبةَ دوائها وشربِ كوبَ الحليبِ الدافئ ، وتنسى كتابًا على طاولةٍ بقربِ السرير يحكي عظمةَ اشخاصٍ ودّت لو تقابلهم .. تنسى كل ذلكَ وتنشغل بهتافٍ روحي مع صاحبَ أعظمِ عرشٍ وكلَ ملكوت :

“أمتنا عقيمةٌ يا الله لا تُنجب الأبطال ، وأبناؤها الذينَ تبنتهم عاقين جدًا ، فإنّ كانوا سيزدادونَ عقُوقًا وأنانية فأبدلها يا الله بأبناءٍ غيرهم ، تُحبهم ويُحبونك .. أذلةَ على المؤمنين .. أعزةً على الكافرين .. يجاهدون في سبيلكَ .. ولا يخافون لومةَ لائم ”

 

 

* خارج حدود أنينا المكتوب :

تابعوا سير رحلة ليان لإغاثة اللاجئين السوريين على الحدود السورية-اللبنانية  http://layangcc.net/main/

أبصرتُ ضوءًا !

2012/01/31


 

للشتاءِ شمسٌ مُجهدةٌ أشبهُ ما تكون بِثقبِ ضوءٍ تختنقُ منهُ سراديبُ المساء ، شمسٌ فريدةٌ لا تطلْ على الكوكبِ الأزرقِ المغمورِ بِالحياةِ إلا مرةً كُلَ عامٍ وَ لِمدةٍ لا تزيدُ عن التسعينَ رجفةَ ريح ، شمسٌ أشبهُ بِبُحيرةِ مياهِ ساخنةٍ مقرونةٌ بِالسماءِ يزورها رأس كُلَ صبيحة نفرٌ متغايرون من أصقاعٍ جليديةٍ يعملون على تقديسِ الحرارةِ اللاسعة ، و نفرٌ من مُتفحصي السماء وَ عُلماءِ الفلكِ وَ الطبيعة ، و مُشردٌ مسكين لا يجد سوى أشعةُ الشمسِ الرقيقةِ لِيغتسلَ بِها من شوائبٍ علقت بِظهرهِ البارحة عندما استلقى على عتبةِ قصرٍ عتيق ، اشتراهُ ثريٌ في مزادٍ علني بِملايين تكادُ تقتلُ الفقراءَ بخيبةِ أملِ رغبتهم المحدودةِ بِكسرةِ خٌبز ، ممزوجٌ بِإحساسِ المُفاجأة ؛ فَرقمٌ كَسعرِ القصرِ العتيق لم يعقلوه ابدًا وَ لن ! فهم لم يتعايشوا يومًا مع أرقامٍ ضخمة ، إذ لا يملكونَ مالًا ليُحصوه وَ لم يتعلموا الرياضيات فيزاولُوها محاسبةً على صوادرٍ وَ مواردِ ، وَ قد كان أعلى ما عقلوه عُشرِ عُشرِ عُشرِ عٌشرِ ذلك السعر مقسومًا على ٣٦  !!

 

شمسُ الشتاءِ حينما تأتي ، تأتي بِحقائب سوداء جلديةٍ أنيقة تحوي عشراتَ الأشياءِ المقرونة بِفقدانِ الحرارةِ وَ تخلي الضوءُ عن اختلاسِ جيوبِ الغيوم ، تأتي بِكائناتٍ صغيرةٍ أراها قبل بُزوغِ الفجرِ في حديقتي الخلفية ، تستلهمُ فنًا راقي من حركاتٍ ثقافيةٍ في عصرٍ ذهبي جرى يومًا في دهرٍ مضى على كوكبِ عُطارد ، تفردُ رداءً أرجوانيًا تغطي بهِ وجهَ السماء ، ثم تفرشُ دربًا من نور حتىتحضرَ ملكتهم الباذخة ، سيدةُ هذا الشتاء ، وَ عندما تستقرُ تلك الملكة على  عرشها تختبئ تلكَ الكائنات – غريبةِ المظهرِ وَ الأطوار –  لتظهرَ كبقعٍ سوداء حينما نُمعنُ النظرَ في أمهم الشمس ، ليغطوا بذاك سوءةَ الشمسِ و عُيوبها التي لا تحصى ، رعيةٌ بارةٌ رُزقت إياها الشمس تسجدُ لله شُكرًا أن وهبهَا إياها عند كُلَ مغيب ..

 

( الشمسُ تُصلي ) هذا ما أخبرتني بهِ تلكَ الكائناتُ الصغيرة ، قالت لي أن الشمسَ تمكثُ طيلة عُمرها تصلي لله ما بين راكعةً وَ رافعةً وَ ساجدة .. لم أعقلْ حديثها ، ظننتهُ هُراء كهُراء أطفالنا المعجون بفخارِ الخيال ، قهقهتُ حينها في وجهِ ذاك الكائن وَ أخبرته بأني لا أؤمنُ بأكاذيبٍ يرويها كائنٌ من عالم آخر يحتفي بشروقِ الشمسِ وَ يسعى لأن يكون صالحًا ما حييّ فربما غدا شمسًا بعدَ أن يُغيّيب المرضُ هذه الشمسَ أو يختلسها موتٌ مُفاجئ ، كحالاتِ الموتِ المتفشيةِ الآن بين البشر وَ التي تُنذرُ بأن الزمانَ سينتهي عمّا قريب ، وَ عمّا قريب
سيختفي الإحساسُ بِالزمن !! 
لم ينفجرْ ذاكَ الكائنُ من إنكاري لحقيقةٍ يُؤمنُ بها و يفني حياتهُ من أجلها إلا أنه حدقَ في عينيّ متجاهلًا نظرتي التي تُخبرني صديقتي دومًا أنها حادة ، لا يقوى بشرٌ على التحديقِ فيها و إلا جُرح .. ليُتمتم لي : ( سأطلبُ من الشمسِ أن تدعو الله لكِ بأن يمدكِ بشعاعِ بصيرةٍ لتري الأشياء كما يجب )

 

لم أعبأ لحديثهِ وَ لم أتأملْ فيما روى .. إلا أنني اليوم وَ بعد مضي شتاءٍ من ذلك الشتاء ، أرى بوضوح أن الشمسَ تُصلي على الدوام ، فهي تُشرقُ علينا قائمةً بعد أن جهرتْ بتكبيرةِ إحرامٍ سربتهَا لنا الطُيور ، ثم تركعُ وَ ترفعُ لِتحتلَ مُنتصفَ السماءِ ، ثم تسجدُ ببطءٍ شديد ، لتظهرَ لنا ألوان شفقٍ أحمر ، ثم تطيلُ السجودَ فنظنُ أنّها تغيب ، وَ لا ترفعُ منهُ سِوى لتصنعَ شُروقًا آخر ، يحتفي بِذاك الشروقِ جمعٌ من كائناتٍ مُميزة ، أما البشر فَيخرجونَ لأعمالهم مُثقلون بِكسلٍ وَ إنشغالٍ و كثيرُ طموحِ وَ أماني ..

 

تحوي تلكَ الحقائبُ أيضًا على رذاذٍ مُنعشِ مُعطّرٍ بِروائحِ الربيع ، ينتشرُ عندَ مُنتصفِ الليلِ ما إنْ يلمعُ بريقُ كوكبِ الزُهرة الوضاء ، مَتميزًا عن كل الأضواءِ المحشورةِ في رداءِ السماءِ بأنه الأقوى وَ الأكثر قدرةً على البقاء !

 

( الشمسُ إمام ) همسَ لي بهذا كائنٌ من تلك الكائناتِ الشتوية ، هذهِ المرة هززتُ رأسي موافقةً وَ بعدَ أن احتسيتُ كوبَ مشروبٍ ساخن – طلبًا في ذوبانِ جليدٍ تكدسَ على مدخلِ كهفي الصوتي ليبدو مبحوحًا – أردفتُ حديثًا : ( نعمْ ، الشمسَ إمامُ صلاة ، وَ القمرُ وَ عُطارد وَ الزُهرة وَ الأرض مَأمُوموا تِلكَ الصلاة) ! ابتسمَ ذاك الكائن وَ كأنما أرادَ أن يغمزَ لي أن أُستجيبت دعواتُ الشمسِ بِبصيرةٍ تُرافقني طالما دققتُ النظرَ فيها كُلَ شتاء !

 

عندما أنظرُ الشمس أرى أنها مازالت تُخفي خلفها حقائبَ سوداءٍ جلدية أنيقة ، تحوي أشياءً لم أبصرها بِالبصرِ بعد إلا أنها تُبصّرني إياها البصيرة :

* ثقبٌ قاتمٌ كبيرٌ مملوءٌ بِضغائنَ وَ أحقاد ، رماها البشرُ يومًا على قارعةِ بريق ، فَاستلمتها الشمسُ لتخفيها بعيدًا عن متناولِ قلوبِ الأنقياءِ وَ الصادقينْ  ..

*كأسٌ مملوءةٌ بِقطرِ غيثٍ أبيض ، لم يأذنَ اللهُ للشمسِ بعدْ بِأن تذرهُ علينا من بين الغُيوم ، ( فَالبشرُ عصاة ، طغاة ، متعايشونَ على حُب أنفسهم بِأنانيةٍ أشبهُ بِمبدأ ” أنا وَ من خلفي الطُوفان ” ) هذا ما همسهُ بِأذني شيخٌ كهلٌ من حكماءِ الكائنات المُرافقةِ للشمس ..

*وَ أخيرًا ، خمارٌ عتيق فضفاض مزهرٌ بِلونِ الفلك ، تُغطي به الشمس نفسها إذا ما أذنَ اللهُ أن تظهرَ شمسُ نهايةِ العالمِ وقتُ الشتاء !!

13-1-2012 م ، 8:30 ص

حين تركنا الجسر – عبدالرحمن مُنيف

2012/01/16

حين تركنا الجسر لِـ عبدالرحمن مُنيف 

* الرواية التي قرأتُها من أجلِ جُملة !

 

file_83_56.jpg (265×265)


اقتنيتها قبل –قرابة- عام و نصف ، قرأتُ حينها فصلين أو ثلاث ثم مللتُ طول سردها و تمحورها حول التفاصيل أكثر من القصة ذاتها ، فتركتها على رف الكتب التي لم أُتم قراءتها .
مُؤخرًا سولت لي نفسي تصفحها ، وقعت عيني على عبارة البطل ( زكي نداوي ) في منتصف الفصل السابع عشر –الفصل ما قبل الأخير- و هو يقول :
كان واجبنا بعد ان تركنا الجسر أن نعبره ، لم يكن عبور الجسر صعبًا لو أردنا أن نعبره ..
أو ننسفه إذا لم نستطع أن نعبره .
لم تكن العبارة عادية مُطلقًا ، كانت فلسفية أكثر مما يُتوقَع أن تحويه رواية ، لذا قررت أن أُعيد قراءة الرواية بفكر فلسفي أكثر من كونه قراءة بفكر أدبي كما اعتدتُ أن أصنع من الروايات الأدبية .
قبل الحديث عن الرواية ، لنتحدث قليلًا عن كاتب الرواية



( عبد الرحمن منيف )

اسمه : عبد الرحمن إبراهيم المنيف
مولده وَ نشأته : ينتمي إلى قرية قصبيا شمال مدينة بريدة بمنطقة القصيم الواقعة وسط المملكة العربية السعودية ، ولد في 29 مايو 1933 في عمان- الأردن من أب سعودي و أم عراقية
حياته : درس في الأردن إلى أن حصل على الشهادة الثانوية ثم انتقل إلى بغداد والتحق بكلية الحقوق عام 1952 و انخرط في النشاط السياسي هناك حتى طُرِد من العراق بعد التوقيع على حلف بغداد عام 1955
لينتقل بعدها إلى القاهرة لإكمال دراسته هناك .
لم يمكث كثيرًا هناك فانتقل إلى بلغراد في عام 1958 لإكمال دراسته فحصل على الدكتوراه في اقتصاديات النفط
لينتقل بعدها إلى دمشق عام 1962 ليعمل هناك في الشركة السورية للنفط
انتقل بعدها إلى بيروت عام 1973 ليعمل هناك في مجلة البلاغ
ثم عاد إلى العراق مرة أخرى بعد عامين من ذلك ليعمل في مجلة النفط و التنمية.
غادر العراق متجهاً إلى فرنسا ليعود بعد خمس سنوات إلى دمشق و يقيم فيها حيث كرس حياته لكتابة الروايات ، عاش في دمشق حتى توفي هناك
يعد عبد الرحمن المنيف أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين؛ حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي العربي، والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في الخليج العربي
وفاته : توفي في دمشق في في 24 يناير 2004 م

من أشهر أعماله الروائية :
قصة حب مجوسية
شرق المتوسط
و روايتنا : حين تركنا الجسر
خماسية مدن الملح
و أخيرًا أم النذور

أما أعماله غير الروائية فأشهرها :
لوعة الغياب
ذاكرة للمستقبل
رحلة ضوء ( مقالات )
الباب المفتوح ( قصص قصيرة )



لنتحدث عن روايتنا بإسهاب :


حين تركنا الجسر رواية تنتمي إلى المرحلة الأولى من أدب عبد الرحمن منيف ، ركّز فيها على شخصية واحدة متأزمة تعيش صراعًا داخليًا عنيفًا أسماه ( زكي النداوي )

و هو كما يظهر في الرواية : زكي النداوي صياد يتعقب طريدته ( البطة الذهبية ) و يعيش أثناء تلك المطاردة استرجاعًا قاسيًا لأخطاء حياته .

الرواية عبارة عن منظومة هجاء ذاتي طويلة ، يخاطب فيها ( زكي النداوي ) على طول الرواية كلبه ( وردان ) ، و يحلم باقتناص بطته الذهبية ، كما يتذكر حادثة الجسر التي ترمز إلى خيبة جماعية عاشها البطل ، و يُنعش الرواية من حين إلى آخر بذكرى والده و أحاديث والدته و وصف منزله الصغير العتيق و القليل القليل عن أخيه .

أعتقد أن الكاتب إستعار روايته من رواية همنغواي ( العجوز و البحر ) بشكل عكسي ، إذ يظهر ( زكي النداوي )  كنقيض لـ ( سانتياغو ) من حيث الثقة بالنفس ، و هذا التناقض –حقيقةً- هو محور الرواية إذ نشعر فيها ببقايا خيبة جيل كامل و ليس رجل من ذاك الجيل ، جيل عاصر الهزائم من الداخل و الخارج !

الرواية ليست مجرد قصة صياد و بطة ذهبية مذهلة ، ليست قصة رجل معتوه يخاطب كلبه و أشجار الغابة و يندب حظه لأنه لم يعبر الجسر .. أعتقدها أعمق من ذلك بكثير 
اعطيتها أربع نجمات على موقع القراءات الجيدة ، الأخيرة سقطت لطول السرد في مواضع مختلفة من الرواية مما جعلني أملها في أول الأمر –كما سيجعلكم تملوها- كذلك لفقدانها حركات التشكيل في طبعتها التاسعة ،2006



إليكم بعض الإقتباسات من مواضع مختلفة من الرواية :

*إنها ذكرى خيبات كثيرة مضت ، و أخرى على الطريق ستأتي .
*الخيبة تولد كل يوم ، تنبثق مع شروق الشمس و مع ارتفاعها تتمدد ، بفعل الحرارة و الرخاوة و بفعل ذلك الإستسلام العاجز .
*العجز يسري في الدم ، و سيأتي يوم لا ينسل رجال هذه الأمة إلا الأقزام و المشوهين ، و الأقزام و المشوهون لا يعرفون إلا أن يموتوا رخيصين.
*الطيور مخلوقات جسورة و تختلف عن الإنسان فهي لا تتخلى عن أعشاشها .
*هذه الطيور تدور العالم كله لكنها لا تنسى أعشاشها أبدًا .
*الغد أهم الأشياء ، الغد ما سيكون.
*الطير الذي لا يعرف عشه يستحق أن يُضرب بالحذاء حتى يفتت.
*لقد فقدت السماء بركتها منذ أن التقينا .
*كانت الأيام الماضية قاسية حتى أنها لتشبه أيام الصيف ، رغم الريح الباردة التي تهب من جميع الجهات إلا أنها تهب بعنعنة ماجنة .
*كان أبي يعرف كل الأشياء: يعرف ريح المطر، ريح الجراد، و كان يعرف رائحة الموت، قال أشياء حكيمة في أيامه الأخيرة.
*إن صمت المسنين أقوى من كل الكلمات التي نسمعها الآن ! إنه صمت مدوٍ، يجعل الخوف شيئًا ماديًا ملموسًا .
*الحزن ، الخيبة ، البحث عن طير خرافي ، أشياء من هذا النوع موجودة و غير موجودة، موجودة إذا أرادها الإنسان و غير موجودة إذا أراد الإنسان أيضًا .
*آه من هذه الليالي البائسة، ليالي الصفاء المغزولة من برد لا يُرى.
*السكون المخيّم و المشرب بالحزن يجعل الإنسان أكثر شعورًا بالانحطاط.
*لو كنت أنتظر طيور السمن لوقفت في غير هذا المكان ، أنا أنتظر شيئًا آخر لا أريد أن أبوح به.
*شوال فارغ و مثقوب ، عيناي مليئتان بالحمرة ، وجهي كالنحاس المحروق ، شفتاي جافتان مثل قطع الحطب الرطب ، يداي مليئتان بالخدوش الصغيرة و التي أرفعها كأعلام مهترئة ، كل الأشياء تقول إني مدحور.
*أنا إنسان مسكون بالظلمة.
*المرض ليس حالة عضوية إنه يربض هنا في داخل النفس لكن على الإنسان أن يبذل جهدًا كبيرًا من أجل أن يشفى.
*المطر الأبيض الناعم يتساقط، صوته الصغير يخترق ذرات الهواء ليستقر فيها ، رائحة الأرض تعوي بذلك الدخان الذي لا يُرى ، و لكن تفاعله السريع ، إزدحامه في الأشياء ، ثم تمدده ، يجعله ماديًا لدرجة لا تُصدق.
*على الإنسان أن يحب الأرض ، لأنه لا يمكن أبدًا أن نُمنح شيئًا أقوى منها، الأرض تجعل الإنسان يرتكز على شيء قوي ، و يغفو . الأرض تتفجر بالخصب و المياه ، الأرض شيء رائع ، لا ، الأرض كل شيء .
*نحن بشر هذه الأرض لا نعرف غير البكاء، منذ ساعة الميلاد و حتى ساعة الرحيل ، لا نعرف سوى أن نبكي ، ألا نستطيع أن نفعل شيئًا آخر؟
*قرأت مرة أن قلب الإنسان يعمل بطاقة مضخة ترفع عدة أطنان من الدم كل يوم هذا الإنسان بمقدار ما هو جبار فإنه يعادل ضفدعة ، إذا استطاع الإنسان أن يسخر إمكانياته و عقله في الطريق الصحيح فإنه قادر على كل شيء.
*ما أتمناه الآن قطرة من الدم لأغسل الصدأ الذي يغلف روحي!
*المسافرون يعودون، كل مسافر يعود!
*لا تُفيد الجسور شيئًا إذا لم يعبر عليها الناس .
*في الحياة أشياء كثيرة لا يمكن تفسيرها أبدًا.
*على الطريق الطويل الموحل ، فكرت بتعاسة الحياة ، ببلادها، بغبائها، و دون أن ادري سقطت في بركة مليئة بالطين.
*البرد يتسرب إلى الدم كما تتسرب إليه الهزيمة .
*شباط يشبه حياتنا ، تمامًا !
*لو كانت الأرض صخرية ، لو كانت الصخور مسننة، لو كانت الأسنان حادة، لانغرزت في قلبي و مت فورًا!
*لو أن الإنسان يتطهر بالألم لنجا من خطايا كثيرة.
*هذه الرياح التي تسوق الغيوم من أقصى الدنيا، و إلى أقصى الدنيا تسوقها ، لن تبقى هنا فترة طويلة !
*انغرز في الأرض كوتد ميت ، إقرأ حتى تتعب ، ثم إذهب للنوم فورًا ، و إذا ذهبت للنوم يجب أن تنام. إفعل كل شيء في وقته ، لأن فعل شيئين في وقت واحد سيؤدي إلى خسارة الشيئين معًا!
*اليد أداة ، الجسد أداة أكبر . العجز ليس في اليد و لا في الجسد ، إنه هناك ، داخل النفس !
*الزمن لا حدود له ، ليس له بداية و ليس له نهاية ، أما الشيء الذي له بداية و له نهاية فهو الإحساس ، الإحساس بالزمن .
* الحزن يلف الوجوه ، و الرجال إذا حزنوا ، إذا بكوا ، فإن شيئًا خارقًا قد حفر قلوبهم .


صفحة الرواية على القراءات الجيدة :

أخيرًا :
الرواية من طباعة و نشر المؤسسة العربية للدراسات و النشر
 و المركز الثقافي العربي للنشر و التوزيع ،
يبلغ سعرها 6 دولار أمريكي أو ما يعادلها بالعملات الأخرى 

و لأختم حديثي عن الرواية بما ختم به عبد الرحمن منيف الرواية ذاتها :


في تلك الليلة قررت .
و لم أنسَ القرار في اليوم التالي .
و قبل غروب شمس اليوم الأول كنت قد ضعت في زحام البشر ،
و بدأت اكتشف الحزن في الوجوه ، 
و تأكدت أم جميع الرجال يعرفون شيئًا كثيرًا عن الجسر ، 
و أنهم ينتظرون … 
… ينتظرون ليفعلوا شيئًا !


نصيحة خارج حدود النص : إقرأها فلسفيًا بعيدًا عن الواقع و ستعي ما أراده المُنيف .

* هذه القراءة مُعدَّة لِمُدونة ( أصدقاء القراءة ) وَ نُشرت سابقًأ بِها على هذا الرابِط http://bit.ly/AaS7G8


على هامش 2011 ..

2012/01/08

؛

اعتدتُ أن تأتيني قائدًا لِجيش وجع تُرسله الى قلبي تارةً فُرادى 
وَ أُخرى كتائب !!

تأتيني برماديةٍ لا تُشابهُ عمري الأخضر
وَ بعنجهيةٍ لا تتناسبْ وَ كونَ قلبِي قلبُ يمامْ ،
تأبى أن تُهديني كُراسًا كبيرًا أخطُ به أحلامًا لا تنام ،
وَ احلامًا خُلقت لئلا تنام ،
وَ أحلامًا لا تُريدُ ان تنام وَ لا يُغريها النومُ ابدًا !

تغلفُ اكسجيني بِغازٍ سام فاتنفسُ أكاسيدَ الحنينِ وَ الغربةِ وَ الوجدِ وَ أخرى اكثرُ بُؤسًا
حتى اعتادت رئتي على تنفُسِ الجماداتِ من حولِ خاصرةِ المكان !

تلوي عُنقَ الذاكرةِ من اقصى الجنوبِ الى مشارفِ الوُسطى ،
تُبجلُ أحرُفها سكبًا ضادِيًّا ،
وَ تحيكَ حولها قِصصًا رتيبةً بِنهاياتٍ تكادُ أن تخنقَ اطرافَ شالكَ الملوثْ بِالحُزنِ وَ قُبلاتْ الدُموع !

ما كُنتَ يومًا عُرسَ طائرٍ يُغردَ لِتجاويفِي المُفرغةِ من كُلِ شيء عدا :
كتاب ، كوبَ قهوةٍ ، أحاديثُ رِفاق ،
وَ نبضْ مقرُونٌ بِي ، وَ ثقبٌ كبِير !

ما كُنتَ لي قلبَ أُم أبيض ، وَ لا حكمةَ عجوز عتيق  ،
وَ لا نغمَ كلارينيت جذّاب ، وَ لا بسمةَ زهرة رقِيقة ،  وَ لا حتى صحيفةً بِطبعةِ المساء !

يُصافحني جُرحك الوحشِي ببرتقاليتهِ الملائكية ليُسقطَ ما تبقى قائمًا بِقائمةِ الماضي الأنِيق ..
لا شيءَ منّك أرغبهُ  !
فقد تعلمتُ كيف الّوحُ لِلراحلين بكلتا كفيّ
وَ لِي أن الّوحَ لكَ بكفيّ التعاسةِ العقيمةِ إنْ لم تكفيكَ كفايّ !

فقطْ :
اصحب ذاكَ البُؤس وَ لترحلَا سويةً ..
سلمنِي كفَ المُستقبل ،
وَ ابقنِي في حضنهِ ..
طفلةَ المعاطفِ التي امتلأت جُيوبها زخاتُ غيث !

 

 

 

* كتبتُها على هامشِ أيلُول الماضِي ؛ وَ لِتأخُرِي بِالنشرِ جعلتُها هامشًا لـِ ٢٠١١ .. :)

 

 

 

 


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 48 other followers