؛

مِنْ رحِمِ الطَريقِ المُظلِمِ الطَوِيلِ المُؤدِي إلَى الحَيِ الفقيرْ يَظهَرْ ، وَ قَدْ حمَلَ بينَ يَدِيهْ جَرِيدةً بِطبعَتهَا المَسائِيَة قَرأهَا العَامَ المَاضِي ، فقَطْ لِتَقيهِ سَقطَاتَ المَارِينَ وَ أبصَارَ النَوافِذْ ، يَتجِهُ بِثباتٍ صَوبَ كَبينَةِ الهَاتفِ المُهترئَةِ ، وَ مَا إنْ يَصِلْ ، يَرفَعُ السَماعَةْ ، يَضعُ عُملتهُ المَعدنِيَة فِي بَطنهَا لِتبتلِعهَا بِشراهَةٍ ، يَضربَ أزرارَ الهاتِفْ تَارةً هُنَا وَ تارةً هُناكْ ، وَ يَنتظِرْ قَلِيلًا ، ثُمَ يَعلُو صَوتَهْ :
” مَرحَبًا بِالوَطنْ ، لِلغُربةِ هُنا صَوتٌ يَعلُو فُوقَ صَوتِ زَقزَقةِ العَصافِيرِ فِي سَاعَاتِ الصَباحِ الاُولَى ، يغتالُنِي غَدرًا شَوقٌ فاضِحٌ يَبرُقُ فِي عَينِيّ دَمعًا حَتَى غَدتْ كَعَينيّ ( كَامبرِيس ) قِطِ العَمِ ( رُوبِيرْ ) ، العَمُ ( رُوبِيرْ ) الذِي أخبرتُكَ أنَنِي أنتقلتُ لِلسُكنَى عِنّدهُ مُنذُ ذَلِكَ الحرِيقُ الذِي شبَ فِي غُرفتِي وَ ألتهَمَ أوراقَ الجَامِعَة وَ قَدرٌ كَبيرٌ مِنْ جسدِ صَدِيقِي ( عَلَاءْ ) وَ صُندوقُ ذِكرياتِي السَودَاءْ ، وَ كَأنمّا القَدرْ أرادَ أنْ يُرينِيْ بَياضًا حَالَ دُونَهُ صُندوقِي ذأكْ ! ، كَما التهمَ مِعطفِي الذِي أهدتهُ لِي وَالدتِيْ ، كُنتُ أحتاجُهُ بِشدَةْ فَالمَكانُ هُنَا بَاردٌ لِلغايَة ، بردُ الفقدِ وَ بَردُ البُعدْ وَ بَردُ الحَنِين ، كُلُ ذَاكْ يَجعلُكَ تَسحبُ عَليكَ مِعطفَكَ الثَقِيلْ فِي مُنتصفِ أُغسطِسْ ، أشتاقُ لِأغسطسُكِ ، لِلفحَاتِ السُمومِ تِلكْ ، كَمَا أشتاقُ لِغبَارُ القُرى يَلفحُنيْ حَتَى يَصلُ إلَى عُمقِ رِئتِيَّ ، حَتَى أتشبعُ رَملًا دَاسَتهُ أقدَامُ الأشقَأءُ يَومًا ، أعلَمُ أنَكَ تَضحكُ بِشدةٍ الآنْ وَ تُقهقهْ عَلَى غَباءِ إشتياقِيْ وَ لَكِنْ لَا بَأسْ ، سَأُخبرُكَ : لَقدْ شَاهدتُ الرَبِيعَ هُنَا لِأولِ مَرةٍ فِي حَياتِيْ ، بَعد مَاكُنتُ لَا أعرفُ إلَا الصَيفَ وَ الشِتاءْ ، لَمْ يَكُنْ بهيًّا كَما أعتقدتُ سابِقًا ، كَانَ جَافًا بِلًا ألقْ ، رَتِيبًا بِلا ألوَانْ ، لَمْ أُخبركْ : الحُكومَةُ هُنَا أغلَقتْ جَامِعَ المَدِينةْ ، أصبحنَأ نُصلِيْ جَماعَةً فِي بيتِ الشَيخِ ( صالحِ ) الطَاهِرُ القَادِمُ لِلدعوةِ وَ الإرشَادْ ، لَمْ يَدعنِيْ وحدِي يَومَ أتهمُونِي بِالسَرِقَة ، كَانَ حِينهَا إلَى جِوارِيْ حَتَى نُفيتْ عَنِي التُهمةْ ، أمَا صلاةُ الجُمعُة فَنحنُ نَجتمِعْ يَومَها بَعدِ الفجرِ بِساعَة نَستقِلُ سَياراتِنَا سَويةً وَ نَتجِهْ صَوبَ المَدِينةِ التِيْ تَبعُدُ عَنّا 300مِيلْ ، نُصلِيْ فِي الجَامعِ هُناكْ وَ نَعُودُ بَعدهَا لِلجَاِمعَةْ ، الأُمرُ مُرهِقٌ لِلغايَة ، لَكِنّ لَا تَقلَقْ ، الَشيخُ ( صالِحْ ) وَ رفِيقهُ الشيخُ ( يحيى ) يَعملَانِ مَعْ الحُكومَةْ لِإعادَةِ فَتحِ الجامِعِ هُنّا ، البَارِحَة كُسرتْ ساقُ ( ايمَنْ ) دَهستهُ سَيارةٌ مُسرِعَة لَمْ يتكبدْ صاحِبهَا عَنَاءَ الوُقوفِ وَ نقلهِ لِلمشفَى ، نَقلنَاهُ بِسيارتِيْ ، وَ أخبرُونَا هُناكْ أنهُ سَيرقُدُ فِي المَشفَى يَومانْ ثُم سَيخرُجُ وَ لَهُ جَبِيرةٌ إختَارَ لَها اللونُ الأخضَرْ ، ذهبتُ عِندهُ اليَومْ ، وَجدتُ عِندهُ أزهارْ أحضرتهَا المُمرِضةْ مِنْ حَدِيقةِ المشفَى ، كَانَ يَبدُو بِحالٍ جَيدةْ لمْ أرهُ سَعيدًا هَكذَا مُنذُ خَبرِ وفاةِ وَالدهِ الذِي وَصلهُ يَوَم إختبارِ الهَندسَة قَبلَ سِتةِ أشهُرْ ، بَعدهَا بِأيَامْ لَم يَصلنَا أيُ خَبرٍ عَنكُ ، حَتَى وَسائلُ الإعلامِ لَمْ تَتبنَى إيصالَ أخبارِنَا إليكْ ، قَطعُوآ جَمِيعَ الدُروبْ وَ آمّنُوآ الطُرقَ بِحقُولَ ألغامْ .. اشتاقُ لِصوتِكْ يَا وَطنْ ، أُبغِضَ هَذهِ الوشْوشَة … “
لَمْ يَكُنْ يَسمعُ سِوىَ رَسائلُ مِنَ الكَبينَة تُخبرهُ بِأنهَا لَا تَستطِيعُ الوُصولَ بِه لِلوطَنْ ، أغلقَ السَماعَة ، غالبَ غَصتهُ وَ أعادَهَا إلَى قَلبِهْ ، مَسحَ دَمعتهُ بِطرفِ كُمّهْ ، حمَلَ بينَ يَدِيهْ تِلكَ الجَرِيدةً ، فقَطْ لِتَقيهِ سَقطَاتَ المَارِينَ وَ أبصَارَ النَوافِذْ ، وَ عَادَ إلَى الحَيِ الفقيرْ بِواسطَةِ ذَلكَ الطَريقِ المُظلِمِ الطَوِيلِ !
* سَتكتمِلْ يَومًا | بِإذنِ اللهْ ..
شآركْ أصحَآبك هذِه التَدوِينةَ !
Like this:
8 bloggers like this post.
This entry was posted on 2011/07/15 at 3:45 م and is filed under ولآدْة حُلم ..!. يمكنك متابعة الردود على هذه التدوينة من خلال الخلاصات 2.0
You can leave a response, or trackback from your own site.
2011/07/15 عند 4:22 م |
كم هُو كريه ذاكَ الصّوتُ الذّي يأتِي من عُمِق الرّجاء..فَ يكسِرُ ضَجيجُ الخَيبَة أقصَى اللهفَة !
:
أعجبنِي نصُّكِ ..وكأنّه أنبَتَ فِيّ شيئاً أخضراً رُغُمَ بُؤسِهِ ..!
شُكراً يا زخّةَ الودقِ الكبيرَة.. عَ قلبِي الغضّ الصّغير ()
2011/07/15 عند 10:58 م |
أحببتهآ بعمق 3>
ولا تعليق يليق ، فرونق كتآبآتك يغلبني . .
استمري
2011/07/15 عند 11:27 م |
قرأت الموضوع أكثر من ثلاث مرات
وفي كل مره أعجز عن كتابة التعليق
فـ الحبر قد يتوقف عن الكتابة لئلا يشوه ما رسمه الغير
2011/07/15 عند 11:49 م |
جميلة أحرفك يا إيثار
كل الشكر
2011/07/16 عند 2:28 ص |
لقلمك حبر خاااص ذولمسات سحريه
تخجل عباراتي أمام كتاباتك الشامخه..
لك ذوق مبهر .. أتمنى أن تسعفني قواميسي لمجارات دررك هنااا
دمتي .. منبر إبداع دوماا .. أنتظر جديدك
2011/07/16 عند 6:56 ص |
أجيد تقبيلك , أجيد إعطائك ثمن هذه الدهشة التي تحتسي وجهي
رائعة يافريدة
2011/07/18 عند 10:56 ص |
الطريق إلى الوطن طويل و صوت يأتي به هاتف
يخبرنا أن الوطن ما زال هناك ينتظر خلف ربوة
من الحنين و الشوق لـ أجسادٍ خرجت منه
و أبقت الروح على أرضه ترتوي من حبه
أبدعتِ يا إيثار و لك أسلوب رائع في السرد
2011/07/18 عند 1:31 م |
بؤس صغير .. لا شيء غيرهـ
سبحتي بنا إلى هناك حيث التفاصيل الدقيقه والكلمات القليله
و البؤس القاتل .. يقتل ببطء .. يقتل النفس و يلهم المشاعر
ويأن منه الحنين ,,,
و أه ‘‘‘ من ذلك الحنين
إيثآر .. لتلك الحروف الذهبية و لروحك ,,
2011/07/23 عند 5:16 م |
..
عندما نتضرعُ جوعاً لرغيف الوطن تزداد الغُربةُ
افتراساً لآمالنا بضراوه .. حتى لا يبقى منها
سوى مايسد رمق يومان للحياه … لا أكثر ..
إيثآر … ونَصٌ تُرفَعُ لهُ القُبَعه ..!!
2011/07/23 عند 5:18 م |
بأي انامل تكتبين
بأي خيـال تسبحين
آذهلتني كتآبتك حقـاً
والله والله رائعة
اردت ان اكتب لك بالعامية
باللهجة البربرية
ان اكتب باي لغة اخرى
لعلني اجد فيها كلمة تصف هذا السرد
دعيني ارحل حتى لا اعكر صفو كلماتك الرائعة
2011/07/23 عند 6:10 م |
عجزت أوصف إعجآبِيّ !
بجد أبهرتني حروفك . .
2011/07/23 عند 6:13 م |
-
إيثار
تملكين نَفَسْ محرض للمتابعة ..
قراءة واحدة لاتكفي !
لِ قلبك طوق ياسمينْ ..
2011/07/23 عند 6:15 م |
-
أُعَجِبتُ بِ حُروْفِك حَدْ الّثمآله !
كَآن لَهآ رَونق خَآص / مُبدعَه وخَآلقي
سأكون مُتآبعه لَك
لِروحك بآقه وَرد كَبيره
……………………(f)
2011/07/23 عند 6:18 م |
.
.
آلصمت في حرم آلجمآل جمآل
شكرآ للجمآل
2011/07/23 عند 6:19 م |
أستمتعت بما قرأته هنا
أشكرك كل الشكر حبيبتي
دمتي بود
2011/07/30 عند 9:23 م |
شكراً على الطرح الرائع ومذهلة
2011/08/03 عند 6:04 ص |
خيالكِ بعيدُ الجمال , ووصفكِ لهُ أجمل
لكن ماذا لو جعلتي بعضَ الجُمل أقصر , أو فصَلتِها بعلامةِ الفاصله
..
وبمناسبة الحديث عن كتابتك
لا أظن أني بعدَ قراءتكِ سأنسى القدومَ ثانيةً
طِبْتِ يا مُبدعه .
2011/08/21 عند 11:30 ص |
و هل تكون الغربة فقط في تلك الديار التي نُبصر فيها الربيع ..
الغربه داء يحشو القلوب .. الغربة هُنا وهُناك ..
نص أكثر من رائع .. صور مدهشه ..
راقت لي كثيراً
2011/09/29 عند 12:30 ص |
ايثو
لــَ الوطن حنين ע̷ يشعر ﺑہّ سوى هؤلاء
وَ لــَ حروفك جمال ע̷ يتذوقها الا مَ’ـّنَ يتابعك
ابدعتي وَخالقي استمممري يَ نقية ••
2011/10/02 عند 3:55 ص |
لا إله إلا الله …ماشاء الله..
كيف رسمتي هذه الصور ؟
لديك خيال متزاحم المعاني والصور
أتمنى لك التوفيق وأن تكتمل بأجمل مما تمنيتي
أنا في ذهول المفاجأة
خاصة وأنا أعيش حالة غريبة الآن ..!!!
2011/11/20 عند 8:23 م |
الله
وكأن الحروف التصقت بعينيّ ولا تريد مفارقتها
شكرًا يا إيثار على هذا الجمال
ومازال الغوص جاريًا في بحور إبداعكِ