حين تركنا الجسر – عبدالرحمن مُنيف

حين تركنا الجسر لِـ عبدالرحمن مُنيف 

* الرواية التي قرأتُها من أجلِ جُملة !

 

file_83_56.jpg (265×265)


اقتنيتها قبل –قرابة- عام و نصف ، قرأتُ حينها فصلين أو ثلاث ثم مللتُ طول سردها و تمحورها حول التفاصيل أكثر من القصة ذاتها ، فتركتها على رف الكتب التي لم أُتم قراءتها .
مُؤخرًا سولت لي نفسي تصفحها ، وقعت عيني على عبارة البطل ( زكي نداوي ) في منتصف الفصل السابع عشر –الفصل ما قبل الأخير- و هو يقول :
كان واجبنا بعد ان تركنا الجسر أن نعبره ، لم يكن عبور الجسر صعبًا لو أردنا أن نعبره ..
أو ننسفه إذا لم نستطع أن نعبره .
لم تكن العبارة عادية مُطلقًا ، كانت فلسفية أكثر مما يُتوقَع أن تحويه رواية ، لذا قررت أن أُعيد قراءة الرواية بفكر فلسفي أكثر من كونه قراءة بفكر أدبي كما اعتدتُ أن أصنع من الروايات الأدبية .
قبل الحديث عن الرواية ، لنتحدث قليلًا عن كاتب الرواية



( عبد الرحمن منيف )

اسمه : عبد الرحمن إبراهيم المنيف
مولده وَ نشأته : ينتمي إلى قرية قصبيا شمال مدينة بريدة بمنطقة القصيم الواقعة وسط المملكة العربية السعودية ، ولد في 29 مايو 1933 في عمان- الأردن من أب سعودي و أم عراقية
حياته : درس في الأردن إلى أن حصل على الشهادة الثانوية ثم انتقل إلى بغداد والتحق بكلية الحقوق عام 1952 و انخرط في النشاط السياسي هناك حتى طُرِد من العراق بعد التوقيع على حلف بغداد عام 1955
لينتقل بعدها إلى القاهرة لإكمال دراسته هناك .
لم يمكث كثيرًا هناك فانتقل إلى بلغراد في عام 1958 لإكمال دراسته فحصل على الدكتوراه في اقتصاديات النفط
لينتقل بعدها إلى دمشق عام 1962 ليعمل هناك في الشركة السورية للنفط
انتقل بعدها إلى بيروت عام 1973 ليعمل هناك في مجلة البلاغ
ثم عاد إلى العراق مرة أخرى بعد عامين من ذلك ليعمل في مجلة النفط و التنمية.
غادر العراق متجهاً إلى فرنسا ليعود بعد خمس سنوات إلى دمشق و يقيم فيها حيث كرس حياته لكتابة الروايات ، عاش في دمشق حتى توفي هناك
يعد عبد الرحمن المنيف أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين؛ حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي العربي، والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في الخليج العربي
وفاته : توفي في دمشق في في 24 يناير 2004 م

من أشهر أعماله الروائية :
قصة حب مجوسية
شرق المتوسط
و روايتنا : حين تركنا الجسر
خماسية مدن الملح
و أخيرًا أم النذور

أما أعماله غير الروائية فأشهرها :
لوعة الغياب
ذاكرة للمستقبل
رحلة ضوء ( مقالات )
الباب المفتوح ( قصص قصيرة )



لنتحدث عن روايتنا بإسهاب :


حين تركنا الجسر رواية تنتمي إلى المرحلة الأولى من أدب عبد الرحمن منيف ، ركّز فيها على شخصية واحدة متأزمة تعيش صراعًا داخليًا عنيفًا أسماه ( زكي النداوي )

و هو كما يظهر في الرواية : زكي النداوي صياد يتعقب طريدته ( البطة الذهبية ) و يعيش أثناء تلك المطاردة استرجاعًا قاسيًا لأخطاء حياته .

الرواية عبارة عن منظومة هجاء ذاتي طويلة ، يخاطب فيها ( زكي النداوي ) على طول الرواية كلبه ( وردان ) ، و يحلم باقتناص بطته الذهبية ، كما يتذكر حادثة الجسر التي ترمز إلى خيبة جماعية عاشها البطل ، و يُنعش الرواية من حين إلى آخر بذكرى والده و أحاديث والدته و وصف منزله الصغير العتيق و القليل القليل عن أخيه .

أعتقد أن الكاتب إستعار روايته من رواية همنغواي ( العجوز و البحر ) بشكل عكسي ، إذ يظهر ( زكي النداوي )  كنقيض لـ ( سانتياغو ) من حيث الثقة بالنفس ، و هذا التناقض –حقيقةً- هو محور الرواية إذ نشعر فيها ببقايا خيبة جيل كامل و ليس رجل من ذاك الجيل ، جيل عاصر الهزائم من الداخل و الخارج !

الرواية ليست مجرد قصة صياد و بطة ذهبية مذهلة ، ليست قصة رجل معتوه يخاطب كلبه و أشجار الغابة و يندب حظه لأنه لم يعبر الجسر .. أعتقدها أعمق من ذلك بكثير 
اعطيتها أربع نجمات على موقع القراءات الجيدة ، الأخيرة سقطت لطول السرد في مواضع مختلفة من الرواية مما جعلني أملها في أول الأمر –كما سيجعلكم تملوها- كذلك لفقدانها حركات التشكيل في طبعتها التاسعة ،2006



إليكم بعض الإقتباسات من مواضع مختلفة من الرواية :

*إنها ذكرى خيبات كثيرة مضت ، و أخرى على الطريق ستأتي .
*الخيبة تولد كل يوم ، تنبثق مع شروق الشمس و مع ارتفاعها تتمدد ، بفعل الحرارة و الرخاوة و بفعل ذلك الإستسلام العاجز .
*العجز يسري في الدم ، و سيأتي يوم لا ينسل رجال هذه الأمة إلا الأقزام و المشوهين ، و الأقزام و المشوهون لا يعرفون إلا أن يموتوا رخيصين.
*الطيور مخلوقات جسورة و تختلف عن الإنسان فهي لا تتخلى عن أعشاشها .
*هذه الطيور تدور العالم كله لكنها لا تنسى أعشاشها أبدًا .
*الغد أهم الأشياء ، الغد ما سيكون.
*الطير الذي لا يعرف عشه يستحق أن يُضرب بالحذاء حتى يفتت.
*لقد فقدت السماء بركتها منذ أن التقينا .
*كانت الأيام الماضية قاسية حتى أنها لتشبه أيام الصيف ، رغم الريح الباردة التي تهب من جميع الجهات إلا أنها تهب بعنعنة ماجنة .
*كان أبي يعرف كل الأشياء: يعرف ريح المطر، ريح الجراد، و كان يعرف رائحة الموت، قال أشياء حكيمة في أيامه الأخيرة.
*إن صمت المسنين أقوى من كل الكلمات التي نسمعها الآن ! إنه صمت مدوٍ، يجعل الخوف شيئًا ماديًا ملموسًا .
*الحزن ، الخيبة ، البحث عن طير خرافي ، أشياء من هذا النوع موجودة و غير موجودة، موجودة إذا أرادها الإنسان و غير موجودة إذا أراد الإنسان أيضًا .
*آه من هذه الليالي البائسة، ليالي الصفاء المغزولة من برد لا يُرى.
*السكون المخيّم و المشرب بالحزن يجعل الإنسان أكثر شعورًا بالانحطاط.
*لو كنت أنتظر طيور السمن لوقفت في غير هذا المكان ، أنا أنتظر شيئًا آخر لا أريد أن أبوح به.
*شوال فارغ و مثقوب ، عيناي مليئتان بالحمرة ، وجهي كالنحاس المحروق ، شفتاي جافتان مثل قطع الحطب الرطب ، يداي مليئتان بالخدوش الصغيرة و التي أرفعها كأعلام مهترئة ، كل الأشياء تقول إني مدحور.
*أنا إنسان مسكون بالظلمة.
*المرض ليس حالة عضوية إنه يربض هنا في داخل النفس لكن على الإنسان أن يبذل جهدًا كبيرًا من أجل أن يشفى.
*المطر الأبيض الناعم يتساقط، صوته الصغير يخترق ذرات الهواء ليستقر فيها ، رائحة الأرض تعوي بذلك الدخان الذي لا يُرى ، و لكن تفاعله السريع ، إزدحامه في الأشياء ، ثم تمدده ، يجعله ماديًا لدرجة لا تُصدق.
*على الإنسان أن يحب الأرض ، لأنه لا يمكن أبدًا أن نُمنح شيئًا أقوى منها، الأرض تجعل الإنسان يرتكز على شيء قوي ، و يغفو . الأرض تتفجر بالخصب و المياه ، الأرض شيء رائع ، لا ، الأرض كل شيء .
*نحن بشر هذه الأرض لا نعرف غير البكاء، منذ ساعة الميلاد و حتى ساعة الرحيل ، لا نعرف سوى أن نبكي ، ألا نستطيع أن نفعل شيئًا آخر؟
*قرأت مرة أن قلب الإنسان يعمل بطاقة مضخة ترفع عدة أطنان من الدم كل يوم هذا الإنسان بمقدار ما هو جبار فإنه يعادل ضفدعة ، إذا استطاع الإنسان أن يسخر إمكانياته و عقله في الطريق الصحيح فإنه قادر على كل شيء.
*ما أتمناه الآن قطرة من الدم لأغسل الصدأ الذي يغلف روحي!
*المسافرون يعودون، كل مسافر يعود!
*لا تُفيد الجسور شيئًا إذا لم يعبر عليها الناس .
*في الحياة أشياء كثيرة لا يمكن تفسيرها أبدًا.
*على الطريق الطويل الموحل ، فكرت بتعاسة الحياة ، ببلادها، بغبائها، و دون أن ادري سقطت في بركة مليئة بالطين.
*البرد يتسرب إلى الدم كما تتسرب إليه الهزيمة .
*شباط يشبه حياتنا ، تمامًا !
*لو كانت الأرض صخرية ، لو كانت الصخور مسننة، لو كانت الأسنان حادة، لانغرزت في قلبي و مت فورًا!
*لو أن الإنسان يتطهر بالألم لنجا من خطايا كثيرة.
*هذه الرياح التي تسوق الغيوم من أقصى الدنيا، و إلى أقصى الدنيا تسوقها ، لن تبقى هنا فترة طويلة !
*انغرز في الأرض كوتد ميت ، إقرأ حتى تتعب ، ثم إذهب للنوم فورًا ، و إذا ذهبت للنوم يجب أن تنام. إفعل كل شيء في وقته ، لأن فعل شيئين في وقت واحد سيؤدي إلى خسارة الشيئين معًا!
*اليد أداة ، الجسد أداة أكبر . العجز ليس في اليد و لا في الجسد ، إنه هناك ، داخل النفس !
*الزمن لا حدود له ، ليس له بداية و ليس له نهاية ، أما الشيء الذي له بداية و له نهاية فهو الإحساس ، الإحساس بالزمن .
* الحزن يلف الوجوه ، و الرجال إذا حزنوا ، إذا بكوا ، فإن شيئًا خارقًا قد حفر قلوبهم .


صفحة الرواية على القراءات الجيدة :

أخيرًا :
الرواية من طباعة و نشر المؤسسة العربية للدراسات و النشر
 و المركز الثقافي العربي للنشر و التوزيع ،
يبلغ سعرها 6 دولار أمريكي أو ما يعادلها بالعملات الأخرى 

و لأختم حديثي عن الرواية بما ختم به عبد الرحمن منيف الرواية ذاتها :


في تلك الليلة قررت .
و لم أنسَ القرار في اليوم التالي .
و قبل غروب شمس اليوم الأول كنت قد ضعت في زحام البشر ،
و بدأت اكتشف الحزن في الوجوه ، 
و تأكدت أم جميع الرجال يعرفون شيئًا كثيرًا عن الجسر ، 
و أنهم ينتظرون … 
… ينتظرون ليفعلوا شيئًا !


نصيحة خارج حدود النص : إقرأها فلسفيًا بعيدًا عن الواقع و ستعي ما أراده المُنيف .

* هذه القراءة مُعدَّة لِمُدونة ( أصدقاء القراءة ) وَ نُشرت سابقًأ بِها على هذا الرابِط http://bit.ly/AaS7G8


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 263 other followers